أيها النهري: لا يمكنك التفاوض مع النمر إذا كان رأسك بين فكيه

يا أهل النهري والجلابة، حان الوقت لتستيقظوا من سبات الانكسار والخنوع! أنتم تقفون اليوم في مفترق طرق تاريخي، في مواجهة قوى واستراتيجيات لا تهدف سوى إلى تهميشكم وسرقة حقوقكم، والاستيلاء على ثرواتكم دون رحمة. إنكم تواجهون كيانًا يسعى لابتلاع الدولة والسيطرة عليها بأساليب عنصرية لا تعرف الرحمة، كما فعل في تشاد. إن هذه القوى هي حركات الزغاوة المسلحة، الحركات العائلية القبلية التي لا تخفي أهدافها ولا مآربها، وهي تسعى إلى إقحام نفسها في صميم الحكم والسيطرة على الدولة على حساب دماء وعرق أهل النهري.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فهناك ما يُعرف بمشروع “السودان الجديد”، وهو مشروع تزنيج السودان، يهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الوطنية بطريقة مصطنعة تُجردكم من حقيقتكم التاريخية والثقافية، وتضع بين أيدي خصومكم متنازعات تعمل على تبديل لون وجوه البلاد من هوية السودان النهري الأصيل إلى هوية تُفرض من الخارج. إن هذا المشروع لا يعدو كونه وسيلة لخرق العهود وبسط النفوذ على طريق سطو ونهب الموارد، فليس هناك مصلحة إلا ومصالحهم أولاً.
وعندما ننظر إلى خطاب “المركز والهامش”، نكتشف آلية حادة لتجريم مجتمعات الجلابة، إذ يقوم هذا الخطاب الدخيل بتصويركم كمجتمع مهمّش وآكل للموارد وغير كفؤ، في حين يتم سلب هذه الثروات وتنفيذ خطط إسقاط هويتكم وإخضاعكم في خدمتهم. إنهم يريدون أن يكون صوتكم بائسًا لا يُسمع إلا في قاعات الهزيمة، ويريدون أن تُنسى مع ماتت أجيالكم في زيف وبهتان.
أيها النهري، هذه هي اللحظة التاريخية التي تتطلب منكم إحياء روح الكرامة والاستقلال! لا يمكن للناس أن يظلوا ضحايا للمؤامرات التي ترتسم على جبهات الدولة والمنظومات السياسية التي تهدف إلى تغيير مسار التاريخ وجعل شروطكم عبئًا لا يحتمل. إن التفاوض مع من يسعون إلى قمع إرادتكم يمكن أن يكون أقصى درجات الافتقار للشجاعة والكرامة. إن رأسكم يجب أن يكون فوق أفواه الظالمين، لا أن يكون بين فكي النمر الذي لا يرحم.
علينا أن نستحضر الحق التاريخي الذي ينص على حق تقرير المصير لكل شعب، حقٌ مضطر لأنه الوقت الذي أصبح فيه الانفصال عن دارفور ضرورة واقعية لتأمين مستقبل أجيال النهريين. لا يمكنكم – يا أهل الجلابة – أن تبقوا رهائن لاستراتيجيات هدفها السيطرة على مواردكم وتزوير هويتكم. إن التمسك بما اتُفق عليه على هامش القوانين والتقاليد بقواعد “المركز والهامش” لم يجلب لكم سوى الظلم والنهب المنظمة.
لقد اضطرتم إلى مواجهة قوى لا ترحم؛ قوى تسعى لابتلاع الدولة وتغيير معالمها وفق أجندات جديدة لا ترضي سوى مصالح فئة ضيقة. حينها، يصبح خيار الحسم والمستقبل الواضح هو تفعيل حق تقرير المصير والانفصال عن دارفور لتمنحوا أنفسكم الحرية الكاملة في بناء مجتمع يتماشى مع قيمكم وتراثكم وأحلامكم.
أيها النهري، إن قرار الانفصال ليس تقديرًا على الوحدة الوطنية، بل هو بمثابة حماية لجذوركم وهويتكم. إذ أن الانفصال عن دارفور لن يعني التخلي عن وطن بل سيمنحكم فرصة إعادة الإعمار على أسس الحرية والعدالة، بعيدًا عن التلاعب السياسي والأجندات المظلمة التي تحاول تسوية الحسابات بالدماء والمصالح.
إن الأمم لا تُبنى على الاستسلام والخنوع، بل تُبنى على القوة والوحدة الثابتة أمام العواصف. ولهذا، يجب عليكم أن تنظروا في تفعيل حق تقرير المصير كخيار أخير للنجاة من اختناق سياسات الاستبعاد والنهب. أنتم تمتلكون التاريخ والأصالة والجرأة في مواجهة الاعتداء، فلا تجعلوا الفرصة تفلت من أيديكم!
أخيرا، إن الرسالة واضحة: اغتنموا الحق، وكونوا أقوياء في مواجهة من يريدون أن يجردوكم من هويتكم. لا تقبلوا أبدا أن تُفرض عليكم شرايع السلام والاتفاقيات التي تُقر غياب الكرامة والعدالة. إنكم إذا ما تظلمتم اليوم، فإن دماء أبنائكم ستكون شاهدة على خيانتكم لذاتكم. ارفعوا رؤوسكم، واجعلوا قراركم حقيقةً تُبنى بها مستقبل شعوبكم على أسس الحرية والحقيقة. فلتكن هذه اللحظة التاريخية بداية لحق جديد، بداية لاستقلال حقيقي يرد لكم كرامتكم ويعيد لكم سيادة مصيركم. لا مجال للتفاوض مع النمر عندما يكون رأسك بين فكيه، فقط القوة والعزم هما السبيل لتغيير الواقع واستعادة الحقوق