اقتصادتقارير

جدلية المركز والهامش والحركات المسلحة: التأثير على اقتصاد الشمال والوسط والشرق وشرعية مطالب الانفصال

يحتل السودان موقعاً جغرافياً استراتيجياً في قلب القارة الإفريقية، مما أكسبه تنوعاً هائلاً في موارده الطبيعية، خاصة في قطاعي التعدين والزراعة. إلا أن الصراعات السياسية والأيديولوجية، وعلى رأسها جدلية “المركز والهامش”، تركت بصمتها العميقة على توزيع هذه الموارد واستغلالها، حيث تحولت هذه الأدوات النظرية إلى وسيلة فعّالة لبسط النفوذ على مقدرات الدولة. وتُعدّ قضية الذهب، على وجه الخصوص، من أكثر القضايا جدلاً، إذ يشكّل الذهب نحو 80% من عائدات النقد الأجنبي، مما يجعله مورداً حيوياً لا يمكن تجاهله في النقاشات الاقتصادية والسياسية.

في هذا المقال نستعرض الأساليب التي تعتمدها بعض الحركات المسلحة للسيطرة على الموارد، مع تسليط الضوء على الانعكاسات الاقتصادية والبيئية على مناطق الشمال والوسط والشرق، وكيف تفتح تلك الأنشطة الباب أمام مطالبات محتملة بالانفصال من الدولة الموحدة.

──────────────────────────────
أولاً: جدلية المركز والهامش كأداة للتمكين والهيمنة

اعتمدت بعض الحركات المسلحة على خطاب “المركز والهامش” لإضفاء شرعية سياسية على تطلعاتها التوسعية. ففي بداياتها كان هذا الخطاب يُستخدم لتسليط الضوء على خلل التنمية والتمركز الذي يعاني منه بعض المناطق، إلا أن هذا المفهوم تحوّل مع الوقت إلى أداة سياسية وتنظيمية تُستخدم للضغط على الجهات الحكومية. فقد تُستغل الاتفاقيات مثل اتفاقية جوبا لتأمين مناصب وزارية وإدارية لمجموعات مسلحة، بحيث تتحول هذه الصفقات إلى وسيلة لتمكين بعض الفئات على حساب المصلحة الوطنية الأشمل.

وتتجلى النتائج العملية لهذا التمكين الوظيفي في أن المناصب القيادية تُستخدم لتعزيز مصالح قبلية وتطلعات شخصية بدلاً من تنفيذ سياسات تنموية حقيقية، مما يؤدي إلى تفاقم الفوارق الإقليمية والاجتماعية داخل البلاد.

──────────────────────────────
ثانياً: سيطرة الحركات المسلحة على قطاع الذهب

يُعتبر الذهب أهم موارد السودان الاقتصادية، إذ يمثل نسبة كبيرة من عائدات النقد الأجنبي. ومع أنّ مناطق الشمال والشرق، مثل ولايات نهر النيل والشمالية، تُنتج الذهب بشكل رئيسي، إلا أن عائداته باتت تخرج عن السيطرة الرسمية لصالح قوى مسلحة. طرق السيطرة على القطاع تتنوع بين:

• استغلال المناصب الحكومية:
اعتمدت الحركات المسلحة على المناصب التي حصلت عليها بموجب الاتفاقيات، بحيث يتم وضع حاكم على شركات التعدين والتحكم في التصاريح والعقود التجارية. وبالتالي تُستخدم هذه المناصب كأدوات قانونية لتوجيه أرباح الذهب إلى خزائنها بهدف دعم ترسانتها العسكرية وتجميع المزيد من الدعم اللوجستي والسياسي.

• الإدارة الموازية:
تعمل بعض الحركات على إنشاء نقاط أمنية وعسكرية في مناطق التعدين ومحطات التصدير، لتفرض نظاماً من الجبايات والرسوم أو “رسوم الحماية”. وهذا يحول عائدات الذهب التي ينبغي أن تذهب إلى ميزانية الدولة إلى خزائن هذه الجماعات المسلحة، مما يعزّز سيطرتها على الاقتصاد الوطني.

• استغلال الاضطراب الأمني:
يسهم المناخ السياسي والعسكري المضطرب في تمديد نفوذ هذه الجماعات، حيث يبتعد المستثمرون الشرعيون عن المخاطرة، ويفقد جهاز الدولة قدرته على فرض النظام، مما يحول قطاع التعدين إلى سوق موازية تخضع لقوانين الوضع الراهن والمصالح القبلية.

──────────────────────────────
ثالثاً: الآثار الاقتصادية والبيئية لتلك السياسات

أدت سيطرة الحركات المسلحة على الموارد إلى سلسلة من التداعيات السلبية على المستوى الاقتصادي والبيئي، نذكر منها:

• إفقار المجتمعات المنتجة:
تعاني مناطق الشمال والشرق، التي تنتج الذهب وتوفر موارد زراعية هامة، من استنزاف ثرواتها لصالح تكتلات مسلحة. فالمجتمعات المحلية لا تحصل إلا على الفتات من مواردها بينما تُمكّن تلك الجماعات نفسها من زيادة ثرواتها، مما يؤدي إلى تفاقم الفجوة الاقتصادية والاجتماعية.

• تصاعد معدلات التضخم وانعدام الاستقرار المالي:
عندما تُوجه العائدات النقدية من الذهب إلى خارج الميزانية الرسمية، تفقد الدولة قدرتها على التحكم في تدفقات الأموال، ويظهر تأثير ذلك في انتشار السوق الموازية وارتفاع معدلات التضخم نتيجة ضعف العملة الوطنية.

• التدهور البيئي والصحي:
يرافق تعدين الذهب استخدام مواد كيميائية خطيرة مثل الزئبق والسيانيد، مما يهدد صحة العاملين ويلوث مصادر المياه الجوفية والسطحية. في ظل غياب الرقابة الحكومية الفعالة، تصبح الكوارث البيئية أمرًا متكرراً يشكل خطراً على البيئة والصحة العامة في تلك المناطق.

──────────────────────────────
رابعاً: تأثير الإقصاء السياسي على مناطق الشمال والوسط والشرق

تحت غطاء خطاب “القومية” وإعادة توزيع السلطة، تُهمّش بعض القوى السياسية القيادات المحلية في مناطق الشمال والوسط، مما يؤدي إلى إهمال مشاريع استراتيجية في مجالات الري والزراعة والبنية التحتية.
تتسبب هذه السياسات في زيادة الدين العام وتشريد الموارد المخصصة للتنمية الحقيقية، بحيث يرى سكان تلك المناطق أن مصالحهم الاقتصادية تتلاشى أمام أجندات قبلية تنبع من النزاعات السياسية القائمة داخل دولة موحدة متصدعة.

──────────────────────────────
خامساً: الأطماع في إمكانيات إقليم الشرق

يحتل إقليم الشرق أهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعه على البحر الأحمر وامتلاكه للموانئ الرئيسية التي تعد بوابة التجارة الخارجية.
لكن مع تصاعد نفوذ الحركات المسلحة، برزت محاولات لاستغلال هذه الموانئ والبنية اللوجستية لتمويل الأنشطة العسكرية عبر فرض إتاوات ورسوم غير شرعية على حركة الصادرات والواردات.
في هذا السياق، يواجه سكان شرق السودان تحديات اقتصادية جمة، حيث تخضع ثرواتهم لممارسات استغلالية تهدف إلى تحميلهم العبء في حين تُستغل عائدات هذه الموارد لنفوذ جماعات مسلحة.

──────────────────────────────
سادساً: خيار الانفصال كحل جذري

في ظل استمرار السيطرة اللامشروعة على الموارد الأساسية، ينظر كثيرٌ من أبناء مناطق الشمال والوسط والشرق إلى الانفصال كحلٍ حتمي لإنهاء حالة عدم التوازن السياسي والاقتصادي.
فبفضل الانفصال، يمكن لهؤلاء المناطق السيطرة المباشرة على مواردهم، سواء كانت في قطاع الذهب أو الزراعة أو الموانئ، ووضع سياسات تنموية تخدم مصالحهم بعيداً عن الأجندات القبلية والعنصرية.
يُعتبر الانفصال خياراً يهدف إلى إعادة توزيع السلطة بشكل عادل وتحقيق التنمية المستدامة التي طال انتظارها لدى تلك المناطق التي غُيّبت عن صنع القرار في النظام الحالي.

──────────────────────────────
خاتمة

إن جدلية المركز والهامش في السودان لم تعد مجرد أطروحة نظرية لتشخيص مظالم التنمية، بل تحولت إلى خطاب مسلح حقيقي يعتمد على الهيمنة القبلية والسياسية على موارد الدولة.
ومع استمرار هذه السياسات وتغلغلها في قطاعات حيوية مثل التعدين وخاصة الذهب، يستمر تأثيرها السلبي على النمو الاقتصادي والبيئة الوطنية.
وفي ظل استمرار الإقصاء السياسي والاقتصادي وترك المواطن المحلي محروماً من نصيبه العادل من الثروات، يظل خيار الانفصال موضوعاً يحتّم النظر فيه كحل جذري لاستعادة حقوق المجتمعات وتنظيم مستقبل الدولة بعيداً عن الأجندات الانقسامية.
إذا لم تُتخذ إصلاحات جذرية قادرة على معالجة هذه المشكلات، فإن مستقبل السودان سيظل مليئاً بالتحديات التي من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من التوترات والاختلالات في توزيع الثروات.

──────────────────────────────
الكلمات الختامية

من اللافت أن النقاش حول مسألة المركز والهامش لم يعد مجرد سرد نظري، بل تحول إلى واقع مُعاش يؤثر في حياة الملايين. وبينما يسعى بعض الأحزاب والجماعات المسلحة إلى استغلال الموارد لصالحها، يبقى مستقبل السودان مرهوناً بمدى قدرة الدولة على إعادة بناء نظام اقتصادي عادل ومستدام، يعيد توزيع الثروات على كافة الأطراف ويضمن استغلال الموارد الطبيعية بما يخدم التنمية الشاملة لجميع المواطنين.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز الانفصال كخيار سياسي قد يحظى بقبول واسع بين أبناء المناطق المهمشة التي تطالب بحقوقها الاقتصادية والسياسية، مما يدعو إلى إعادة النظر في منظومة الحكم وإعادة توزيع السلطة بما يحقق العدالة والانصاف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى