
في خضمّ الأوضاع الملتهبة التي يشهدها السودان، يتضح أكثر من أي وقت مضى أنّ مجتمعات الشمال والوسط باتت المتضرر الأكبر من حالة الصراع والاحتقان العرقي والسياسي. هذه المجتمعات وُصمت باسم “النهريين”، وألقيت عليها تهم باطلة بالهيمنة واحتكار السلطة، بينما الواقع المادي والتاريخي يشير إلى أنّها هي التي تواجه حملات عنصرية وإقصائية متصاعدة، وباتت تتعرض لضغوطٍ شديدةٍ تراوح بين التشكيك في هويتها والدعوات الصريحة لإزاحتها من المعادلة الوطنية.
يعود جزء من جذور هذه الأزمة إلى خطاب “المركز والهامش” الذي تم توظيفه في تجنيد الحركات المسلّحة والتكتلات القبلية في إقليم دارفور، مستعيراً تجربة زنجبار على يد جون أوكيلو في ذبح العرب بحجج “تحرير الحقوق”. في السياق السوداني، أفضى هذا التوظيف إلى تصنيف مجموعات الشمال والوسط في خانة “العدو” بحجة أنها تتحكّم في مفاصل الدولة، بالرغم من غياب أي أدلةٍ موثوقةٍ تثبت وجود تلك الهيمنة. فوفقاً لما تراه مجتمعات الشمال والوسط، تُستخدم قصة مظالم تاريخية مُفتعلة لتبرير استهدافهم وتشويه سمعتهم، فيما هم يتحملون—على أرض الواقع—الضرر الأكبر من التمردات والحروب الدائمة التي تستنزف مواردهم وتقوّض استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي.
أدّت هذه التعبئة العرقية إلى تشكُّل تكتلاتٍ قبليةٍ ومسلّحة في إقليم دارفور تتبنّى شعارات من قبيل “أفريقيا للزنج” وتمدّدها عبر مشاريع سياسية تتنكر لوجود العرب كجزءٍ أصيلٍ من التركيبة التاريخية للقارة. على الصعيد العملي، أسهمت حركات الزغاوة المسلّحة وتنظيمات أخرى مرتبطة بالإقليم الغربي في مفاقمة الأوضاع الأمنية والاقتصادية، إذ تسعى—بحسب منتقديها—إلى إقامة نموذجٍ يتشابه مع تجاربٍ إقليميةٍ مجاورة، عبر اختراق مفاصل الدولة وتطويعها لخدمة طموحاتٍ ضيقةٍ لا تتجاوز حدود رابطةٍ عائليةٍ أو قبليةٍ واحدة.
أمام هذا الواقع، تجد مجتمعات الشمال والوسط نفسها في موضع الضحية التي تواجه موجةً تلو الأخرى من عمليات التمرد والابتزاز السياسي والاقتصادي. وبعد عقودٍ من محاولات التفاوض والتعايش، يتنامى اقتناعٌ مفاده أنّ الحل الوحيد لوقف نزيف الدماء وحملات الإقصاء هو تفعيل حق تقرير المصير، والسير في طريق الانفصال عن إقليم دارفور. بالنسبة إلى هؤلاء، لم تعد الدولة الموحّدة قادرةً على الاستمرار في ظلّ تكتلاتٍ عرقيةٍ وسياسيةٍ تنظر إلى الشمال والوسط كعدوٍ يجب استباحته، ولا تبدي أي استعدادٍ حقيقيٍّ للمشاركة في بناء دولة المواطنة على أسسٍ عادلةٍ ومعاييرٍ متّفق عليها.
يرى كثيرون أنّ هذا الانفصال يمثّل حتميةً تاريخية، فالتباعد المتزايد في الرؤى والمصالح، والعنصرية الشرسة الموجهة ضد مجتمعات الشمال والوسط، لا يتركان مجالاً للتفاهم أو إعادة صياغة الدولة الواحدة. بدلاً من ذلك، يبدو الانفصال خياراً وحيداً يمكّن هذه المجتمعات من الحفاظ على هويتها وأمنها وسيادتها على أراضيها، ويحمي مواردها التي أثبتت التجارب الطويلة أنّها غالباً ما تنجرف إلى دوامات النزاع المسلح وابتزاز الميليشيات.
في نهاية المطاف، فإن إعلان تقرير المصير والانفصال عن دارفور لا يُنظر إليه اليوم كمناورةٍ سياسيةٍ عابرةٍ، بل كحلٍّ واقعيٍّ يُجنّب سكان الشمال والوسط استمرار النزيف والإقصاء. إن الاعتراف بجذور الأزمة والممارسات العنصرية المُوجّهة ضد “النهريين” يجعلان من الصعب تصوّر أي تسويةٍ تبقي الجميع تحت مظلةٍ واحدةٍ دون معالجة حقيقيةٍ لمكامن الخلل. وعليه، فإن الطريق إلى الانفصال قد يكون النتيجة المنطقية للتطورات الراهنة، ليؤكّد أنّه عند وصول الأوضاع إلى هذه الدرجة من التمزّق، لا مناص من فك الارتباط كخيارٍ أمنيٍّ وتاريخيٍّ وحتميٍّ يحفظ للشمال والوسط كرامتهما وحقوقهما