
يمثل تاريخ السودان صفحة مظلمة يشوبه العديد من الجرائم والفظائع التاريخية التي قُست عليها دماء الأبرياء. من أبرز هذه الفصول تاريخ مجزرة البطاحين التي نفذها الخليفة عبد الله التعايشي، والتي ترتبط مباشرة بنفوذ المهدية في السودان وعلى وجه الخصوص سياسة القمع التي انتهجها تجاه من عارضوا سلطته. تستند الروايات حول هذه الأحداث إلى مصادر تاريخية مثل كتاب “السودان بين يدي غردون وكتشنر” لإبراهيم فوزي باشا، إلى جانب منشورات المهدية وكتابات مؤرخين آخرين مثل محجوب محمد مالك المقاومة وعبّوسليم في “الآثار الكاملة للإمام المهدي”.
في أوائل عام 1307هـ، بدأ الخليفة عبد الله التعايشي بتنفيذ أوامر قمعية صارمة ضد من يخالفون سلطته. إذ أرسل رسولًا يُدعى ابن جار النبي إلى إحدى المناطق بدعوة مفبركة لمغادرة أهلها والالتحاق برباط دنقلا. لم تكن هذه الدعوة تهدف إلى الإصلاح أو الإصغاء بل كانت ذريعة لتجزئة أهل المعارضة ولإثارة غضبهم بهدف القضاء عليهم. استقبل أهل المنطقة الرسالة بعنف وصلب؛ إذ قاموا بتعنيف الرسول وإهانته، مما دفع الخليفة إلى اتخاذ إجراءات انتقامية صارمة.
بعد أن عاد الرسول إلى أمدرمان ومعه أنباء عن مقاومة أهل المنطقة، اجتمع التعايشي في وقت صلاة المغرب وأُبلغ مباشرة بما جرى. وُرداً على تلك الأحداث، أصدر أمرًا بتجميع جيش ضخم يضم نحو عشرة آلاف مقاتل من فرسان وجهادية مسلحين أسلحة نارية. وقد كان الهدف من هذا التجمع القسري التخلص من أولئك الذين رفضوا الانصياع لأوامره بعد صلاة العشاء، حيث انطلق الجيش متجهًا نحو ضفة النيل على متن البواخر والسفن، ومن ثم عبر النهر ليبدأ مسيرة قمعية داخل الصحراء.
وبعد ثلاث ليالٍ من المسيرة المنظمة، داهم الجيش حي البطاحين الواقع في منطقة الغلس. لم يكن الموقف يسمح بتفادي المواجهة، فبدأ الجنود بإطلاق النيران الحامية على سكان المنطقة، مما أدى إلى سقوط حوالي ألفي قتيل. ولم تقتصر الفظائع على القتل المباشر، بل شملت عمليات سبي جماعية، إذ رُوِّج لسرقة نساء الأسرى وأطفالهم وأخذ ماشيتهم. بلغت أعداد الأسرى ثلاثة آلاف فرد تقريبًا، حيث لم يشمل السبي النساء والصبيان الذين كانوا يُعتبرون في بعض الروايات غير مشمولين.
قام الخليفة عبد الله التعايشي بعد ذلك باختيار مائة وخمسين رجلاً من أعيان المنطقة ومشايخها، وأمر بنقل خمسين منهم إلى ميدان السوق، حيث تم إعدامهم بوسائل وحشية؛ فقد شنق خمسين منهم مباشرة، وفي المقابل تم ضرب أعناق خمسين آخرين بالسيف. أما الباقون فتعرضوا لعملية شنيع شملت قطع أيديهم وأرجلهم كجزاء من عصيانهم، فيما ورد في بعض المصادر أن النزيف تم محاولة إيقافه بصب الزيت المغلي على الأطراف المقطوعة، ما زاد من قسوة المشهد وأثره النفسي على الناجين.
هذا المأساوي من الأحداث يُعَدُّ مثالاً صارخاً على مدى استخدام السلطنة الدينية والسياسية التي انتهجها الخليفة عبد الله التعايشي لتحقيق أهدافه، دون اعتبار للإنسانية أو لحقوق الأفراد. إذ يُظهر التاريخ السوداني أن المؤرخين أحيانًا يتغاضون أو يُخفون هذه الجرائم بصياغات تاريخية مُزخرفة أو سينمائية، بعيدًا عن الحقيقة المريرة التي عاشها الشعب السوداني. ففي الوقت الذي يتم فيه تحويل المآسي إلى قصة تُروى بأسلوب مشوق، يبقى الواقع أكثر قسوة ولا يُبرّر وقوع مثل هذه الجرائم ضد المسلمين الأبرياء.
إن تسليط الضوء على هذه الحقبة المظلمة يحمل أهمية بالغة في فهم مسار التاريخ السوداني، إذ يساعد الباحثين والمفكرين على استقصاء الدوافع الحقيقية وراء استخدام العنف كأداة سياسية وآلية لإخضاع المجتمعات. كما يُظهر ذلك ضرورة العودة إلى المصادر الأصلية والمراجع الموثوقة التي وثّقت تلك الأحداث، مثل كتاب “السودان بين يدي غردون وكتشنر” لإبراهيم فوزي باشا، وكتاب منشورات المهدية، ومحجوب محمد مالك المقاومة، بالإضافة إلى “الآثار الكاملة للإمام المهدي” لعبّوسليم. هذه المصادر تُعدُّ نافذة حقيقية على ماضي السودان الكبير، وتُقدم رؤى نقدية وعدم السماح للمآسي بأن تُنسى أو تُجاور بالزمن.
في الختام، يبقى تاريخ مجزرة البطاحين والجرائم التي ارتكبها الخليفة عبد الله التعايشي درسًا مريرًا في كيفية استغلال السلطة لتحقيق مكاسب سياسية على حساب الإنسانية. من المهم لكل مهتم بالتاريخ السوداني أن يتعمق في دراسة هذه الحقبة، وأن يضع هذه الأحداث في سياقها التاريخي الصحيح، وصولاً إلى تحقيق العدالة التاريخية وإحياء ذكرى ضحايا هذه الفظائع.
المراجع:
- إبراهيم فوزي باشا، “السودان بين يدي غردون وكتشنر”، الصفحات 311-312.
- منشورات المهدية (ص 311-312).
- محجوب محمد مالك المقاومة، المصادر التاريخية للنضال في السودان.
- عبّوسليم: “الآثار الكاملة للإمام المهدي”، ص 533.
- مذكرات يوسف ميخائيل (ص 37).
- كتاب الشيخ محمد عبد الرحيم – المخطوطات (قطعة رقم 214).
- نعوم شقير، “دراسات إفريقية”، مجلة أبوسليم العدد 26، ديسمبر.
بهذه المراجع والمضمون التفصيلي، يسعى هذا المقال إلى تقديم صورة دقيقة وموضوعية حول الجرائم والفظائع التي أتت بها تلك الحقبة السودانية المظلمة، مع التأكيد على أهمية الاطلاع على المصادر الأصلية لفهم تاريخ الوطن بصورة كاملة.